السبت , 10 ديسمبر 2016

صناعة النفط

النفط - مدونة الشرقاوي

بحث عن صناعة النفط

1 – ماهية النفط – What is Petroleum:

تشير كلمة نفط Petroleum إلى الزيت الخام Crude Oil والغاز الطبيعي Natural Gas وهي كلمة لاتينية الأصل تتكون من مقطعين Petr وتعنى الصخر و Oleum تعنى الزيت، وبهذا تعنى الكلمة ككل “زيت الصخر”.
ويوجد النفط عادة عند سطح الأرض أو في باطنها متخذاً أحد الشكلين، إما الشكل السائل Crude Oil أو الشكل الغازي Natural Gas، ويتكون الغاز الطبيعي من مجموعة غازات أهمها: الميثين Methane والأيثين Ethane والبروبين Propane والبيوتين Butane. أما الزيت الخام فهو سائل دهني ذو رائحة خاصة مميزة ومتعددة الألوان بين الأسود والأخضر والبني والأصفر، كما تختلف درجة لزوجته تبعاً لدرجة كثافته النوعية.
والنفط في الأساس هو عبارة عن مخاليط معقدة وغير متجانسة من مركبات عضوية هيدروكربونية Hydrocarbons وذات تركيبات جزئية متنوعة وخواص طبيعية كيميائية مختلفة، كما أن محتوى النفط الخام يشتمل على بعض الشوائب مثل: الكبريت والأكسجين والنتروجين والماء والأملاح المعدنية، بالإضافة إلى ذلك يشتمل محتوى النفط على بعض المعادن مثل: الفاناديوم والحديد الصوديوم ،و الجدير بالذكر هنا أن هذه الشوائب تعتبر أمراً غير مرغوب فيه في مجال صناعة النفط، نظراً لتسببها في الكثير من المشكلات خلال عمليات المعالجة والتكرير. ويلاحظ أن أهم العناصر في محتوى النفط من ناحية الوزن عنصري الكربون والهيدروجين والجدول التالي يوضح ذلك:
جدول رقم (1 – 1 – 1) نسب الأوزان للعناصر المكون للنفط
العنصر النسبة المئوية للوزن
الكربون 84 – 87
الهيدروجين 11 – 14
الكبريت 0.05 – 5
النتروجين 0.01 – 2
الأوكسجين 0.01 – 2
هذا وتختلف الزيوت الخام من حيث نسب الشوائب التي توجد بها عموماً، وبالتالي من حيث تكاليف معالجتها وتنقيتها تبعاً لذلك، كما تختلف الزيوت الخام كذلك من حيث درجة كثافتها النوعية Specific Gravity، حيث تتراوح درجة الكثافة العامة بين 80. – 0.98، كلما قلت درجة الكثافة النوعية للزيت الخام عن هذا الحد تزداد في المقابل نسبة المقطرات الخفيفة في محتواه مثل: وقود الطائرات والسيارات والمقطرات المتوسطة الغازية أو السولار. وعلى العكس فيما ذكر آنفاً فإن ازدياد درجة كثافة الزيت الخام النوعية يزيد من نسبة المقطرات الثقيلة قليلة القيمة مثل: زيت الوقود والأسفلت وإلى ما ذلك ،وقد جرت العادة في مجال صناعة النفط بالتعبير عن كثافة الزيت الخام النوعية بإستخدام المقياس الذي وضعه معهد البترول الأمريكي American Petroleum Institute (API) والذي يعتمد في ذلك على إستخدام معادلات محددة لقياس الكثافة النوعية للنفط عند كل درجة حرارة معينة، ودائماً تكون هنالك علاقة بين هذا المقياس ودرجة الكثافة النوعية للزيت الخام. والجدير بالذكر هنا أن الدول المنتجة للنفط عادة ما تعتمد في عملية تسعيره على أساس الزيادة أو النقص في درجة الكثافة بالمقارنة بنفط الأساس، وتختلف هذه الكثافة في درجاتها من دولة إلى أخرى ومن حقل نفط إلى آخر في إطار الدولة الواحدة.

2 – الأصل في منشأ النفط – The Origin of The Petroleum Formation:

إختلف العلماء كثيراً حول الأصل في منشأ النفط وظهرت نظريات عديدة تحاول تفسير ذلك، ومن أهم هذه النظريات ما يلي:
(أ) نظرية الأصل المعدني:
وهي تفترض أن الفحوم الهيدروجينية قد تشكلت نتيجة لتأثير بخار الماء على كربيدات المعادن القلوية الترابية في أعماق الأرض، ومع مرور الزمن تكاثف نتاج ذلك مشكلاً المادة المعروفة بالنفط.
(ب) نظرية الأصل العضوي:
تعد هذه النظرية خلاصة الفكر في مجال تفسير أصل منشأ النفط ويطلق عليها نظرية الرأي الغالب في منشأ النفط، نظراً لإجماع العلماء على منطق مضمونها العلمي. وتفترض هذه النظرية أن الأصل في منشأ النفط يرجع إلى تحلل المواد العضوية من بقايا الحيوانات والنباتات خلال ملايين السنين، حيث إختلطت المواد العضوية التي كانت تجرفها الأنهار والرياح إلى قاع البحيرات والبحار والمحيطات بمواد عضوية أخرى داخل هذه البحيرات والبحار والمحيطات، ثم كونت طبقات الطمي والرمل التي حملتها الأنهار والرياح على التراسب فوق هذه المواد العضوية المتحللة. كما أن طبقات الأرض كانت عرضة خلال هذه الملايين من السنين للتغيرات، حيث إرتفعت أجزاء من القشرة الأرضية وإنخفضت أجزاء أخرى وتكونت سلاسل جبلية وإختفت أخرى، وردمت بعض الأجزاء من الأرض التي كانت مغطاة بالمياه، كما أن البراكين والزلازل قد عملت أيضاً على زيادة هذا التغيرات. وقد أدت هذه العوامل جميعها إلى تحول المواد العضوية تحت تأثير الضغط والحرارة الشديدين إلى مواد هيدروكرونية (زيت خام وغاز طبيعي)، ثم أخذت مادة الزيت الخام المختلطة مع الماء والغاز تنساب خلال الصخور المسامية أو المنافذ الصخرية لتتجمع وتستقر فيما يسمي بالمكامن النفطية Petroleum Reservoirs في باطن الأرض. والمكامن هي: عبارة عن التركيبات الجيولوجية الصخرية المحتوية على مادة النفط والمانعة لتسربه خارجها، ويوجد الزيت الخام في الممكن مخلوطاً بالماء والذي عادة ما يكون تحت مادة الزيت نظراً لأن كثافته أكبر من كثافة الزيت، كما يتجمع الغاز في فوهة الممكن وهو محتوياً على الكثير من الشوائب المختلفة. وتوجد المكامن على أبعاد الآف الأقدام تحت مستوى سطح الأرض في أنواع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر: مكامن التحدبات والمكامن الطبقية والمكامن الناتجة عن حدوث تصدعات في القشرة الأرضية. وتعتمد كمية النفط في المكمن على عدة عوامل أهمها: مساحة المكمن ودرجة سمكه ومدى قابليته للرشح والسماح للنفط بالإنسياب، بالإضافة إلى درجة المسامية ونسبة المياه والشوائب. وجدير بالذكر أن المكمن يطلق عليه أيضاً اسم مصيدة الزيت أو مصيدة النفط Oil Petroleum Trap، حيث يعنى هذا اللفظ ضمناً حقل النفط نظراً لأن هجرة المواد العضوية المتحللة في منتهاها إلى زيت وغاز وماء يتم إصطيادها جيولوجياً في ما يسمى بمكمن النفط، الذي يعد لاحقاً حقل من حقول النفط المستهدفة بحفر آبار الإنتاج Production Wells.
ويتطلب حقل النفط عادة توافر عدة شروط هامة كما يلي:
1. وجود المواد العضوية (النباتية والحيوانية) المطمورة في قاع البحار والمغطاة بالأتربة والرمال المساعدة في تكوين النفط.
وجود الطبقات الصخرية المسامية الرسوبية التي تسمح للنفط بالتحرك أو الهجرة عبر مساماتها.
2. وجود مصائد النفط التي يتجمع عندها النفط الخام مختلطاً بالماء.
هذا وجدير بالذكر هنا توضيح العلوم المرتبطة بصناعة النفط التي إنبثق عنها كافة المفاهيم العلمية الخاصة بهذه الصناعة وهي علم الجيوفيزياء وعلم الجيولوجيا، حيث يختص الأول بدراسة خصائص الأرض من حيث التعرف على خصائص طبقاتها وفقاً لدرجة المغناطيسية ومواد الجاذبية ومدى توصيلها للإهتزازات وإلى ما غير ذلك. بينما يختص علم الجيولوجيا بدراسة تاريخ تركيبة الأرض ويركز على الجوانب الخاصة بالقشرة الأرضية أو الجزء الخارجي من سطح الأرض. وتتضافر عموماً الدراسات الجيولوجيا والجيوفيزيائياً في سبيل إستكشاف الزيت والغاز.

3- التطور التاريخي لصناعة النفط –
The Historical Development of Petroleum Industry:

يفسر التطور التاريخي لصناعة النفط الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية على مستوى العالم، وذلك نظراً للأهمية الإستراتيجية لمادة النفط الخام. وقد أوضحت مجالات البحث في تاريخ هذه الصناعة أنه وردت إشارات في الكتب السماوية تشير إلى إستخدام سيدنا نوح عليه السلام لمادة القار عندما قام ببناء سفينته ذائعة الصيت، وذلك من خلال دهنها بتلك المادة حتى لا ينفذ إليها الماء وقد كان وجود تلك المادة في ذلك الزمان ناتج عن الترشحات النفطية على سطح الأرض في تلك المنطقة، وبذلك يكون زمان سيدنا نوح عليه السلام أول إشارة علمية لوجود النفط وبدء تاريخ معرفته وإستخدامه. كما أوردت كتب التاريخ القديم تبعاً للتسلسل الزمني في شأن معرفة النفط وإستخدامه إن قدماء المصريين كانت لهم معرفة بمادة النفط وإستخدامها في مقابلة إحتياجات عمليات التحنيط.
وقد تحدث المؤرخ (هيرودت) عام 450 قبل الميلاد عن النفط بقوله: “توجد في جزيرة زانتي بئر تنتج ثلاثة مواد هي الأسفلت والملح والزيت”، وذلك في إشارة لوجود مادة النفط في تلك الحقبة من الزمان. كما ورد بالكتب التاريخية القديمة أن قدماء الهنود كانوا يستخدمون الزيت الذي يرشح من العيون الأرضية في إجراء الطقوس الدينية وفي أغراض الزينة، كما كانت ينابيع الزيت تنتشر على ساحل الخليج من تامبيكو إلى تاباسكو وأكتشف قدماء الأسبان أهمية تلك المادة في سد الفجوات لمراكب بضائعهم. ولعل أهم الإشارات لوجود النفط في التاريخ القديم هي إستخدام قدماء الصينيين للغاز على سبيل أولى الإستخدامات، حيث وجد في ذلك الزمان على شكله الغازي يخرج في شكل نزاز من باطن الأرض، وأستخدمت أنابيب مبسطة من الخيزران لترحيله لمسافات قصيرة بغرض إستخدامه بشكل نهائي كوقود لإشعال النيران في عملية غلي الماء، ولعل أهمية هذا الإستخدام لقدماء الصينيين تأتى من إستخدامهم لمركب أساسي ضمن النفط وإستخدام وسائل في نقله تشبه في صورتها كثيراً وسائل نقل الأنابيب المعاصر وإن كانت بدائية.
يبدأ التاريخ الحديث للنفط في عام 1847م حيث أرتبط ذلك العصر بإستخدام الزيت في الإضاءة والذي كان يعتمد مسبقاً على زيت الحوت ذو التكلفة العالية، مما أدى إلى البحث عن مصادر بديلة لإستخدامها في الإضاءة. وفي ذلك العام قام (يانج الإنجليزي) بتجارب عدة لتقطير النفط من الفحم ونجح في ذلك، كما توصل فريق من العلماء الألمان تبعاً لنتائج مجهودات يانج الإنجليزي إلى اختراع مصباح البرافين وهو يعد من أول وأهم الأحداث في تاريخ الصناعة النفطية.
في عام 1853م تم تقطير النفط والحصول منه على الكيروسين النقي بواسطة إجناسي لوكاسفيز وهو عالم بولندي الأصل. ومن أول المناجم لزيت الصخر التي تم إنشائها كان منجم في بوربكا بالقرب من كروسنو في جنوب بولندا، وفي العام التالي لعام 1853م تم بناء أول معمل للتكرير في يولاز وكان أيضاً للعالم لوكاسفيز الفضل في إنشائه، وخلال نفس الفترة قام ميرزوف العالم الروسي ببناء أول معمل للتقطير في روسيا في حقل الزيت الطبيعي في باكو. وبدأت صناعة النفط في أمريكا خلال نفس الفترات تقريباً وأرخ لها تحديداً في عام 1859م، حيث قام إيدوين راك بإكتشاف الزيت بالقرب من تيتوسفيل في بنسلفانيا، وقد تم إجراء العديد من الأبحاث والدراسات خلال تلك الفترة بالولايات المتحدة الأمريكية حول إستخدام النفط للأغراض التجارية، وقد أنشئ خلال نفس الفترة أول معمل لتكرير النفط في مدينة بتسبرج وكانت الكميات منخفضة في بادئ الأمر ولا تفي بحاجة الإستهلاك نتيجة لزيادة الطلب على زيوت الإضاءة والشحوم الخاصة بالمركبات وغيرها، ثم ما لبست الإكتشافات تتزايد حتى بلغت الآبار التي تم حفرها بالولايات المتحدة عدد 84 بئراً أنتجت حوالي 75 طن من النفط الخام خلال تلك الفترة.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت صناعة النفط في الإنتشار والإزدهار خاصة في بلدان أوربا الصناعية نتيجة للثورة الصناعية التي أقتضت تحقيق ما يلي:
1. توفير وسائل النقل سواء بالناقلات أو خطوط الأنابيب التي تؤدى إلى خفض حجم النفقات الكلية لإستخراج النفط، مما يترتب عليه إتساع أسواق الإستهلاك وزيادة نسبة الأرباح على الاموال الموظفة في مجال الصناعة النفطية.
2. زيادة نسبة الإستثمارات في مجال الصناعة النفطية.
3. إرتفاع معدل الطلب العالمي على المنتجات النفطية نتيجة للتوسع الصناعي.
بالإضافة إلى ما سبق كانت أهم الأسباب وراء إرتفاع معدل الطلب العالمي على النفط إختراع المحرك ذو الأحتراق الداخلي الذي يدار بالبنزين وتبعاً لذلك إختراع سيارة تدار بالمحرك لأول مرة خلال عامي 1859 – 1860م، كما استخدم المازوت بشكل رسمي في تسيير البواخر في عام 1897م. ولقد شهد عام 1910م إكتشاف حقول نفطية كبيرة ومتعددة في كلٍِ من كندا وجزر الهند الشرقية وإيرانوا بفنزويلا والمكسيك وتم تطويرها لأغراض الإستخدام الصناعي. وفي بداية عام 1920م أستخدم النفط بشكل رسمي في تسيير المركبات وعمل الآليات والصناعات الثقيلة عموماً، كما شهدت هذه الفترة بداية البحث الأمريكي عن النفط في الدول الأخرى نتيجة لتخوف الحكومة الأمريكية من العجز في إنتاج النفط بما يفي بالاحتياجات وهو الأمر الذي حدث فعلياً في أواسط عام 1920م. وفي نفس هذا العام بدأت حوالي 35 شركة إستثماراتها في مجال النفط بمنطقة الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وأفريقيا، وقد أدت جهود البحث إلى إستكشاف حقول منتجة كثيرة خاصة في السعودية والكويت. وفي الحرب العالمية الثانية إستخدم النفط لأغراض الدفاع، مما أدى لزيادة عجلة الإنتاج في الصناعة النفطية لسد الإحتياجات الحربية العاجلة من وقود الطائرات والسيارات والسفن وما إلى ذلك.
خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها تطورت الحوجة في مجال النفط إلى الغاز الطبيعي تحديداً والبتروكيماويات، حيث أكتشف الغاز بنسب عالية في تكساس ولويزيانا وعدد من ولايات الغرب الأمريكية. وبالرغم من صعوبة نقل الغاز إلى مسافات طويلة إلا أنه تم حل هذه المشكلة بإستخدام أنابيب ذات مواصفات عالية تنقل الغاز تحت ضغط عالي وظروف علمية محددة إلى أن يصل إلى مناطق الكثافات السكانية. ولعل أزمة الكساد الإقتصادي العالمية في منتصف عام 1930م والنقص الحاد في خام النفط في المناطق العربية أبان عام 1960م كانت أسباب رئيسية وراء إزدهار صناعة النفط في أمريكا والمناطق العربية خلال الفترة من عام 1970 – 1982م، حيث تم تكثيف جهود البحث والإستكشاف في دول المنطقة العربية تحديداً وبقية الدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة. ومنذ عام 1982م وإلى تاريخ الوقت المعاصر ظلت صناعة النفط في تطور وإزدهار خصوصاً في البلدان النامية وما زالت عمليات البحث والإستكشاف مستمرة في كافة الدول والتي أثبتت الدراسات المبدئية وجود نفط بها ذو جدوى إقتصادية، مما ينبئ بمزيداً من الإذدهار في مجال الصناعة النفطية.

صناعة النفط

 

 

عن الشرقاوي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: